محمد جمال الدين القاسمي
228
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
فإنها تشير إلى ما يتخلل الأفئدة وينغمس به الأكثرون من الشرك الخفيّ ، الذي لا يشعر صاحبه به غالبا ومنه قول الحسن في هذه الآية : ذاك المنافق ، يعمل إذا عمل رئاء الناس ، وهو مشرك بعمله . يعني : الشرك في العبادة . فصاحبه ، وإن اعتقد وحدانيته تعالى : - ولكن لا يخلص له في عبوديته بل يعمل لحظ نفسه ، أو طلب الدنيا ، أو طلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق . فلله من عمله وسعيه نصيب ، ولنفسه وحظه وهواه نصيب وللشيطان نصيب ، وللخلق نصيب . وهذا حال أكثر الناس ، وهو الشرك الذي قال فيه النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فما رواه ابن حبان في صحيحه : الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل . فالرياء كله شرك ، وهو محبط للعبادة ، مبطل ثواب العمل ، ويعاقب عليه إذا كان العمل واجبا . فإنه تعالى أمر بعبادته خالصة . قال تعالى : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ [ البينة : 5 ] ، فمن لم يخلص للّه في عبادته ، لم يفعل ما أمر به ، بل الذي أتى به شيء غير المأمور ، فلا يقبل منه . و روى مسلم « 1 » وغيره عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يقول اللّه : أنا أغنى الشركاء عن الشرك . من عمل عملا أشرك فيه معي غيري ، تركته وشركه . و روى الإمام أحمد « 2 » عن محمود بن لبيد ، رفعه إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ! قالوا : وما الشرك الأصغر يا رسول اللّه ؟ قال : الرياء ! ومن الشرك نوع غير مغفور ، وهو الشرك باللّه في المحبة والتعظيم ، بأن يحب مخلوقا كما يجب اللّه . فهذا من الشرك الذي لا يغفره اللّه ، وهو الشرك الذي قال سبحانه فيه : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً . . [ البقرة : 165 ] الآية ، وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم ، وقد جمعتهم الجحيم : تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ، إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 97 - 98 ] ، ومعلوم أنهم ما سوّوهم به سبحانه في الخلق والرزق ، والإماتة والإحياء ، والملك والقدرة ، وإنما سوّوهم به في الحب والتألّه ، والخضوع لهم والتذلل . وهذا غاية الجهل والظلم فكيف يسوّى من خلق من التراب ، برب الأرباب ؟ وكيف يسوّى العبيد بمالك الرقاب ، وكيف يسوى الفقير بالذات ، الضعيف بالذات ، العاجز بالذات ، المحتاج بالذات ، الذي ليس له من ذاته إلا العدم ، بالغنيّ بالذات ، القادر بالذات ، الذي غناه وقدرته وملكه ووجوده
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : الزهد والرقائق ، حديث 46 . ( 2 ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 5 / 428 .